عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

191

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ضرسي طحون وعلى خبزكم * من أكل مثلي آية الكرسي وهو الذي أقعدني عنكم * فكيف آتي ومعي ضرسي « 1 » الطعام والطب : على أن مثل هذه العناية بالطعام والإفراط في تناوله ، لم تكن لتنسي الناس ولا سيما طبقة الخلفاء والأمراء أن الداء أكثر ما يكون من الطعام والشراب لأن المعدة بيت الداء . ولذلك كان لا بد لهم من طبيب يراقب هذا الاندفاع ، ويوقف من حدة هذه الشهوة . فكان الخلفاء يكلون إلى أطبائهم الاشراف على ما يقدم لهم من الأطعمة ، وتنحية ما لا يوافق أمزجتهم أو يسبب لهم ضررا في صحتهم . وكان معاوية أول الخلفاء في استحضار طبيب له على مائدته والاصغاء غالبا إلى نصائحه . ولكن كثيرا ما يبلغ به ولعه وشدة حبه للون من ألوان الطعام أن يضرب عرض الحائط بأقوال الطبيب وارشاداته . فحكي « أن معاوية حج يوما وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فلما قدم المدينة هيّأ له مروان طعاما فأكثره وجوّده ، فلما حضر الغذاء جاء متطبّب نصراني لمعاوية فوقف فجعل إذا مرّ لون قال : كل يا أمير المؤمنين من هذا ، وإذا أتي بلون ظنّ أنه لا يوافق الخليفة قال له : لا تأكل من هذا . ثم أقبل زنجيان مؤتزران بريطتين « 2 » بيضاوين يدلحان « 3 » بجفنة لها أربع حلقات مترعة حيسا . فلما رآها معاوية استشرف لها وحسر عن ذراعيه . فقال الطبيب : أي شيء تريد يا أمير المؤمنين ؟ قال : أريد واللّه أن أواقع ما ترى قال : أمّزق ثيابي ؟ ! فأجاب معاوية : ولو مزّقت بطنك . فجعل يدبل « 4 » مثل دبل البعير ويقذف في جوفه حتى إذا نهل . قال : يا مروان ما حيسكم هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين عجوة ناعمة وأقطة مزينة وسمنة جهينة . قال معاوية : هذه أشفية جمعت ، لا كما يقول هذا النصراني « 5 » »

--> ( 1 ) يتيمة الدهر : ج 3 - ص 16 . ط : حجازي بالقاهرة . ( 2 ) الريطة : الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجا واحدا وهو الإزار ( والوزرة ) في العامية . ( 3 ) دلح دلوحا : مشى بحمله فقبض الخطو لثقله عليه . ( 4 ) التدبيل : تعظيم اللقم وازدرادها . ( 5 ) كتاب تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب ، لكمال الدين بن القوطي ج 19 - 18 ط الهند سنة 1359 ه . 1940 م .